أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
89
العقد الفريد
ولكني أرغبتك عن ذلك وأزويته عنك ؛ فكذلك أفعل بأوليائي ؛ إني لأذودهم عن نعيمها . ولذاذتها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة ؛ وإني لأحميهم عيشها وحلوتها ، كما يحمي الراعي ذوده عن مبارك العرّ « 1 » . يوسف عليه السّلام : وذكر عن وهب بن منبه أن يوسف لما لبث في السجن بضع سنين ، أرسل اللّه جبريل إليه بالبشارة بخروجه ، فقال : أما تعرفني أيها الصّدّيق ؟ قال يوسف : أرى صورة طاهرة وروحا طيبا لا يشبه أرواح الخاطئين . قال جبريل : أنا الروح الأمين ، رسول رب العالمين . قال يوسف : فما أدخلك مداخل المذنبين ، وأنت سيد المرسلين ، ورأس المقرّبين ؟ قال : ألم تعلم أيها الصديق أن اللّه يطهر البيوت بطهر النبيين . وأن البقعة التي تكون فيها هي أطهر الأرضين ، وأنّ اللّه قد طهّر بك السجن وما حوله يا ابن الطاهرين . قال يوسف : كيف تشبهني بالصالحين ، وتسميني بأسماء الصادقين ، وتعدّني مع آبائي المخلصين ، وأنا أسير بين هؤلاء المجرمين ؟ قال جبريل : لم يكلم قلبك الجزع ، ولم يغيّر خلفك البلاء ، ولم يتعاظمك السجن ، ولم تطأ فراش سيّدك ، ولم ينسك بلاء الدنيا بلاء الآخرة ، ولم تنسك نفسك أباك ، ولا أبوك ربّك ، وهذا الزمان الذي يفكّ اللّه فيه عنقك ، ويعتق فيه رقبتك ، ويبيّن للناس فيه حكمتك ، ويصدّق رؤياك ، وينصفك ممن ظلمك ، ويجمع لك أحبتك ويهب لك ملك مصر تملك ملوكها ، وتذل جبابرتها ، وتصغّر عظماءها ، ويذلّ لك أعزتها . ويخدمك سوقتها « 2 » ، يخوّلك خولها ، ويرحم بك مساكينها ، ويلقي لك المودة والهيبة في قلوبهم ، ويجعل لك اليد العليا عليهم ، والأثر الصالح فيهم ، ويرى فرعون حلما يفزع منه حتى يسهر ليله ، ويذهب نومه ، ويغمّى عليه ، تفسيره وعلى السحرة والكهنة ، ويعلّمك تأويله .
--> ( 1 ) مبارك العر : مبارك الجمال الجرب . ( 2 ) سوقتها : رعيتها .